أحمد بن محمد ابن عربشاه

272

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

تعالى لكمال قدرته وإسبال ذيل رحمته ، خلق الكبير الأعلى محتاجا لخدمة الصغير الأدنى ، وجعل الحقير الأدنى محتاجا لرحمة الكبير الأعلى ، ولهذا أعظم الخلق من خلق الخلق ، وأحوج الخلق إلى الخلق وهو غنى عن الخلق . وقيل أيها الملك السنى : الإنسان بطبعه مدنى ، وبمقدار كثرة الرعية واشتراكهم في الصفات المرضية ، وانقيادهم لأوامر ملكهم السنية تصير درجة الملك عليه كما كان في زمن نبي الله سليمان صلوات الله عليه وسلامه وتحيته وإكرامه ، ولقد جرى في عصره بين الطيور مفاوضة بين اللقلق « 1 » والعصفور فسأل ملك الآساد عن تلك المفاوضة مبارك الميلاد . [ 41 ] [ مفاوضة بين اللقلق والعصفور : ] فقال : بلغني يا سلطان الأسود أن نبي الله سليمان بن داود عليهما السلام ؛ كان في سيرانه مع خواص أركانه ، فمر بذلك الطلب على شجرة دلب « 2 » للقلق ، فيها عش قد بناه كأحسن حش « 3 » ، وقد استوكر في عشه عصفور واحتمى بجواره من مؤذيات أبى مذعور « 4 » ، فكانا يتخاصمان ويتقاولان ويتواصمان ويتصاولان ، فوقف النبي الكريم ، واستوقف الجند العظيم ليسمع ما يقولان وينظر كيف يجولان ، فسمع اللقلق يقول وهو يجول ويصول ويخاطب العصفور بمجمع من الطيور : أشكر لي حسن الصنيع حيث أنزلتك في حصني المنيع ، لا حية ترقى إليك ولا جارح ينقض عليك ، ولولا أن لك عندي مناخا ما أبقيت لك الحية ذاتا ولا فراخا ، وإنما سلمتم بجوارى وبقربكم من دارى .

--> ( 1 ) اللقلق : طائر طويل العنق والرجلين ، يأكل الحيّات ، ومشهور بالذكاء ، وكنيته أبو خديج . ( 2 ) دلب : شجر كبير ينمو على شاطئ النهر . ( 3 ) بستان . ( 4 ) أبو مذعور : من كنى الطيور الجارحة .